واصف جوهرية

34

القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية

نحت عنها الشعر ثم وضعها على الفجوة المفتوحة من القرعة وابتدأ يلصق أطرافها بطريقة فنية حول القرعة إلى أن تسكرت الفجوة وأصبح لها صدرا محترما . ثم جاء بقطعة من الخشب القاسي وعمل ما يسمونه بجحش وبعد ما نشفت الجلدة ركب وترين وربط طرفهما الأخير بالقطعة الخشبية الأخيرة والطرف الثاني بالمفاتيح اللذين كانا من صنع الموس فقط . ثم رفع الوترين على الجحش وحملت هذه العملية ربما أكثر من أسبوع وكنت دائما عنده أتمعن بشوق وأنتظر إنهاء هذه الآلة العجيبة من صنعه . وعندما بدأ يعزف عليها جن جنوني طربا وفرحا وأعتقد بأنه قدير في فن الموسيقى وكان يعزف بمهارة فائقة إنما كان يعزف قطعا موسيقية ذات ألحان مغربية بعيدة عن ذوقي المقدسي . سلمني هذه الآلة وبدأ يشرح لي طريقة وضعي الأصابع على الوتر فإذا ما وضعت الإصبع الثاني مثلا يرتفع اللحن درجة ثم طريقة النقر على الوتر أرغمني على عدم قص ظفر إصبعي ( الشاهد ) من اليد اليمنى والعزف على الأوتار بواسطة الظفر وليس بريشة أو غيره . احتفظت بهذه الآلة وكبرت نفسي وكأن معي رأس كليب ! ! أخذت منه الطريقة بالعزف وخصوصا دوزان الوتر الأول والثاني وابتدأت أطبق عليها من محفوظاتي المقدسية مثل " ع الروزنة " وعلى " وأخ مشعل " وغيره وأصبحت عازفا ماهرا لمثل هذه الطقاطيق فأعجب الحاج محمد المغربي عندما سمع مني هذه المقطوعات وكنت أنا بالنظر لخدمته لي أقدم له ما هب ودب من أكل وفاكهة وحلوى عندما أحصل على شيء ما فلا أتوقف عن إكرامه مطلقا والفضل في هذا يرجع برضه إلى المرحوم والدي الذي كان يشجعني على ذلك . ولي فصل الصيف ورجعت القدس ومعي الطنبورة ( بعد ما هجرت الأول التنكية وتركتها وشأنها في بيت سوسين ) وأطلعت عليها أولا أولاد الجيران فكنت أعزف وأغني الأغنية وأنا ماشي والأولاد من خلفي يرددون الترديدة في قاع الدار والدهليز وفي الساحات السماوية من دار الجوهرية المعهودة . وعند المساء أعيد الحفلة لمن كان يزورنا من الجيران والضيوف الكبار وفي مرات كثيرة كانت والدتي وأخواتي يأخذوني عندما كانوا يزورون الجيران المسلمين ليلا في ليالي رمضان أمثال دار الداودي والصالحاني وقطينة وغيرهم فحمدت الباري عز وجل على تحقق أحلامي فصار عندي آلة طرب ممتازة بالنسبة إلى عمري وتفهمي لفن الموسيقى وقد اشتريت علبة لوضع الدخان من الهنود وقدمتها هدية للحاج محمد المغربي عندما رجعنا في صيف السنة الثانية إلى بيت سوسين تقديرا مني على لطفه . تعلمي الأهازيج والدبكة وأغاني الفلاحين الشعبية كنت والحالة طموحا لا أرضى بالبقاء على المعلومات التي حصلت عليها في الموسيقى ولا الوقوف للحد الذي وصلت إليه في هذا الفن ونظرا لوجود المجال الواسع أمامي وأنا وعائلتي نتمتع بجمال الطبيعة بين أهل القرى في الجهتين الجبلية والساحلية منها ولكثرة حضوري أهازيج واحتفالات أهلها وأفراحها ولسمعي غناء الرعاة وهم خلف قطيع الغنم والبقر يلعبون الناي والأرغول والمجوز ويرقصون الدبكة بدأت أتعلم ما يلفت نظري ويطرب سمعي من ألحانهم الشعبية